«الشُّكْرُ بَابٌ لِزِيَادَةِ النِّعْمَةِ»
مُنَاجَاةٌ فِي رُؤْيَةِ الْيَدِ مِنْ وَرَاءِ النِّعْمَةِ وَالسَّبَبِ وَالْحَدَثِ: فِي الْمَنْعِ صَوْنٌ، وَفِي الْكَشْفِ رَحْمَةٌ، وَفِي الْحَدِّ حِكْمَةٌ — وَالشُّكْرُ بَابٌ لِزِيَادَةِ النِّعْمَةِ.
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي لَا يُحْمَدُ حَمْدًا إِلَّا كَانَ هُوَ الَّذِي أَلْهَمَهُ، وَلَا يُشْكَرُ شُكْرًا إِلَّا كَانَ هُوَ الَّذِي أَيْقَظَهُ، وَلَا تُرَى نِعْمَةٌ إِلَّا كَانَ هُوَ الَّذِي كَشَفَ سِتْرَهَا، وَلَا يُفْهَمُ سَبَبٌ إِلَّا كَانَ هُوَ الَّذِي أَرَى الْقَلْبَ مَا وَرَاءَ السَّبَبِ.
الْحَمْدُ لِلّٰهِ حِينَ يُعْطِي، وَالْحَمْدُ لِلّٰهِ حِينَ يُرِي، وَالْحَمْدُ لِلّٰهِ حِينَ يُفَهِّمُ، وَالْحَمْدُ لِلّٰهِ حِينَ يُلْهِمُ، وَالْحَمْدُ لِلّٰهِ حِينَ يَجْعَلُ الْحَمْدَ نِعْمَةً فَوْقَ النِّعْمَةِ.
يَا رَبِّ، مَا عَرَفْنَا النِّعْمَةَ إِلَّا بِكَ، وَمَا شَكَرْنَاهَا إِلَّا بِتَوْفِيقِكَ، وَمَا وَجَدْنَا فِي الْقَلْبِ سَكِينَةَ الْحَمْدِ إِلَّا مِنْ فَيْضِكَ.
فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى النِّعْمَةِ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى الشُّكْرِ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى أَنَّكَ جَعَلْتَ الشُّكْرَ بَابًا لِزِيَادَةِ النِّعْمَةِ.
قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. فَسُبْحَانَكَ، مَا أَكْرَمَكَ. تُعْطِي النِّعْمَةَ، ثُمَّ تُعْطِي الشُّكْرَ، ثُمَّ تَجْعَلُ الشُّكْرَ سَبَبًا لِزِيَادَةِ مَا أَعْطَيْتَ.
يَا اللهُ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِكَ أَنْ تُرِيَ الْعَبْدَ يَدَكَ فِي الْأَحْدَاثِ، فَلَا يَقِفَ عِنْدَ الْأَشْخَاصِ، وَلَا يَضِيعَ فِي الْأَسْبَابِ، وَلَا يَحْبِسَ قَلْبَهُ عِنْدَ الْجُرْحِ، بَلْ يَرَى مِنْ وَرَاءِ الْجُرْحِ تَرْبِيَتَكَ، وَمِنْ وَرَاءِ الْمَنْعِ حِفْظَكَ، وَمِنْ وَرَاءِ الْكَشْفِ رَحْمَتَكَ، وَمِنْ وَرَاءِ الْحَدِّ لُطْفَكَ.
فَكَمْ مِنْ بَابٍ أُغْلِقَ، فَكَانَ إِغْلَاقُهُ فَتْحًا. وَكَمْ مِنْ رِزْقٍ مُنِعَ، فَكَانَ مَنْعُهُ صَوْنًا. وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ كُشِفَ، فَكَانَ كَشْفُهُ نَجَاةً. وَكَمْ مِنْ حَدٍّ وُضِعَ، فَكَانَ الْحَدُّ رَحْمَةً.
الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي يُرَبِّي عِبَادَهُ بِمَا يَفْهَمُونَ وَبِمَا لَا يَفْهَمُونَ. الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي يَسُوقُ الْأَقْدَارَ، ثُمَّ يَكْشِفُ بَعْدَهَا الْحِكْمَةَ. الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي إِذَا أَخَذَ شَيْئًا، أَعْطَى بَدَلَهُ بَصِيرَةً. وَإِذَا أَظْهَرَ شَيْئًا، أَظْهَرَ مَعَهُ مَوْضِعَ الْقَلْبِ. وَإِذَا أَلْهَمَ الْكِتَابَةَ، جَعَلَ الْقَلَمَ يَسْجُدُ بِالْمَعْنَى قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ بِالْمِدَادِ.
يَا رَبِّ، إِنْ كَتَبْنَا فَبِإِذْنِكَ، وَإِنْ حَمِدْنَا فَبِتَوْفِيقِكَ، وَإِنْ شَكَرْنَا فَبِفَضْلِكَ، وَإِنْ سَكَنَتْ قُلُوبُنَا فَبِذِكْرِكَ.
قُلْتَ سُبْحَانَكَ: أَلَا بِذِكْرِ اللّٰهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. فَوَجَدْنَا صِدْقَ الْآيَةِ فِي أَجْسَادِنَا قَبْلَ أَلْسِنَتِنَا، وَفِي سَكِينَةِ الصَّدْرِ قَبْلَ صَوْتِ الْكَلَامِ، وَفِي النُّورِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى الْقَلْبِ حِينَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلّٰهِ، وَلِلّٰهِ الْحَمْدُ.
سُبْحَانَكَ يَا اللهُ، إِذَا ذَكَرْنَاكَ، ذَكَرْتَنَا. وَإِذَا شَكَرْنَاكَ، زِدْتَنَا. وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَيْكَ، فَتَحْتَ لَنَا مِنْ أَبْوَابِ الْفَهْمِ مَا لَا يَفْتَحُهُ الْجِدَالُ.
فَلَا نَرَى الْأُمُورَ كَمَا تَرَاهَا النُّفُوسُ الْمُضْطَرِبَةُ، بَلْ نَرَاهَا كَمَا يُرِيهَا اللهُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَهُ.
نَرَى فِي الْمَنْعِ صَوْنًا. وَفِي الْكَشْفِ رَحْمَةً. وَفِي الْحَدِّ حِكْمَةً. وَفِي الْأَلَمِ تَأْدِيبًا. وَفِي الْحَمْدِ فَتْحًا. وَفِي الشُّكْرِ زِيَادَةً. وَفِي الذِّكْرِ حَيَاةً.
يَا رَبِّ، لَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ يَرَى النِّعْمَةَ وَلَا يَعْرِفُ الْمُنْعِمَ. وَلَا مِمَّنْ يَرَى السَّبَبَ وَيَنْسَى الْمُسَبِّبَ. وَلَا مِمَّنْ يَرَى الْفَتْحَ فَيَغْتَرَّ. وَلَا مِمَّنْ يَرَى الْمَنْعَ فَيَجْزَعَ. وَلَا مِمَّنْ يَكْتُبُ فَيَنْسُبُ الْكِتَابَةَ إِلَى نَفْسِهِ. وَلَا مِمَّنْ يَحْمَدُ ثُمَّ يَرَى الْحَمْدَ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ.
بَلِ اجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا أُعْطِيَ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلّٰهِ. وَإِذَا مُنِعَ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلّٰهِ. وَإِذَا كُشِفَ لَهُ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلّٰهِ. وَإِذَا أُلْهِمَ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلّٰهِ. وَإِذَا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ رَاحَةَ الذِّكْرِ، قَالَ: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي.
يَا رَبِّ، إِنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ بِعَبْدٍ خَيْرًا، لَمْ تُعْطِهِ النِّعْمَةَ وَحْدَهَا، بَلْ أَعْطَيْتَهُ عَيْنًا تَرَاهَا، وَقَلْبًا يَشْكُرُهَا، وَلِسَانًا يَحْمَدُكَ عَلَيْهَا، وَقَلَمًا يَكْتُبُهَا، وَرُوحًا تَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْكَ مِنْ أَثَرِهَا.
فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ. وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا مَنَعْتَ. وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا كَشَفْتَ. وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا سَتَرْتَ. وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَلْهَمْتَ. وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى أَنَّكَ عَلَّمْتَنَا أَنْ نَحْمَدَكَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ حَمْدَنَا لَكَ لَا لِلنَّاسِ، وَشُكْرَنَا لَكَ لَا لِلْمَنْظَرِ، وَكِتَابَتَنَا لَكَ لَا لِلْكِبْرِ، وَسُكُونَنَا بِكَ لَا بِالْأَسْبَابِ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْهَدُ أَنَّ الْفَضْلَ فَضْلُكَ، وَأَنَّ النِّعْمَةَ نِعْمَتُكَ، وَأَنَّ الْحَمْدَ مِنْكَ وَإِلَيْكَ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَوْلَا تَوْفِيقُكَ مَا عَرَفَ كَيْفَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلّٰهِ.
فَاجْعَلْنَا يَا رَبِّ مِنْ أَهْلِ الْحَمْدِ. وَمِنْ أَهْلِ الشُّكْرِ. وَمِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ. وَمِنْ أَهْلِ السُّكُونِ إِلَيْكَ. وَمِنَ الَّذِينَ إِذَا زِيدُوا نِعْمَةً، زَادُوا تَوَاضُعًا. وَإِذَا زِيدُوا فَهْمًا، زَادُوا حَمْدًا. وَإِذَا زِيدُوا فَتْحًا، زَادُوا سُجُودًا.
حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنْتَ. نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ.
وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.