«مَنْ خَانَ الْبَابَ، لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الدَّارِ»
رسالةٌ في الأمانة: ليس الإنسانُ ألقابَه ولا دعواه، بل ما يفعله عند الباب — في الثقةِ، والأهلِ، والأمانةِ إذا وُضِعت في يده. النصُّ العربيّ.
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْحَمْدُ لِلّٰهِ، وَلِلّٰهِ الْحَمْدُ.
الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَمَانَةَ نُورًا، فَمَنْ حَمَلَهَا اسْتَضَاءَ، وَمَنْ خَانَهَا احْتَرَقَ بِمَا حَمَلَ.
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الصَّادِقِ الْأَمِينِ، الَّذِي عَلَّمَنَا أَنَّ الرِّجَالَ لَا تُوزَنُ بِأَلْقَابِهَا، بَلْ بِصِدْقِهَا إِذَا وُضِعَتِ الْأَمَانَةُ فِي أَيْدِيهَا.
أَمَّا بَعْدُ؛
فَلَيْسَ الْإِنْسَانُ مَا يَدَّعِي. وَلَيْسَ الْإِنْسَانُ مَا يَقُولُ. وَلَيْسَ الْإِنْسَانُ مَا يَكْتُبُهُ عَلَى صَدْرِهِ مِنْ أَلْقَابٍ.
الْإِنْسَانُ مَا يَفْعَلُهُ عِنْدَ الْبَابِ.
فَإِذَا فُتِحَ لَهُ بَابٌ، ظَهَرَ أَصْلُهُ. وَإِذَا أُعْطِيَ اسْمٌ، ظَهَرَ أَدَبُهُ. وَإِذَا أُدْخِلَ فِي ثِقَةٍ، ظَهَرَ دِينُهُ. وَإِذَا رَأَى ضَعْفَ صَاحِبِهِ، ظَهَرَتْ حَقِيقَةُ صُحْبَتِهِ.
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَدْخُلُ الْبَابَ شَاكِرًا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُهُ طَامِعًا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُهُ ضَيْفًا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُهُ ثُمَّ يَتَصَرَّفُ كَأَنَّهُ صَاحِبُ الدَّارِ.
وَهُنَا يَفْتَرِقُ الرِّجَالُ.
فَإِنَّ الْبَابَ إِذَا فُتِحَ لَكَ بِالثِّقَةِ، فَلَا تَدْخُلْهُ بِالْحِيلَةِ. وَإِذَا فُتِحَ لَكَ بِالصُّحْبَةِ، فَلَا تَدْخُلْهُ بِالطَّمَعِ. وَإِذَا فُتِحَ لَكَ بِالْأَهْلِ، فَلَا تَدْخُلْهُ بِنَفْسِكَ. وَإِذَا فُتِحَ لَكَ بِاسْمِ غَيْرِكَ، فَلَا تَنْسَ أَنَّ لِلِاسْمِ صَاحِبًا.
الِاسْمُ أَمَانَةٌ. وَالْبَابُ أَمَانَةٌ. وَالْأَهْلُ أَمَانَةٌ. وَالثِّقَةُ أَمَانَةٌ. وَالصُّحْبَةُ أَمَانَةٌ. وَحَتَّى سُكُوتُ الْكَرِيمِ أَمَانَةٌ.
فَلَا تَظُنَّ أَنَّ سُكُوتَهُ غَفْلَةٌ. وَلَا تَظُنَّ أَنَّ صَبْرَهُ عَجْزٌ. وَلَا تَظُنَّ أَنَّ كَرَمَهُ دَيْنٌ عَلَيْكَ. وَلَا تَظُنَّ أَنَّ حِلْمَهُ إِذْنٌ لَكَ.
فَإِنَّ الْكَرِيمَ قَدْ يُعْطِي لِيَرَى. وَقَدْ يَسْكُتُ لِيَزِنَ. وَقَدْ يَصْبِرُ لِيَسْتَبِينَ. وَقَدْ يَفْتَحُ لَكَ بَابًا، لَا لِتَمْلِكَهُ، بَلْ لِيَعْرِفَ مَا تَصْنَعُ عِنْدَهُ.
فَإِذَا جَعَلْتَ الْبَابَ غَنِيمَةً، انْكَشَفْتَ. وَإِذَا جَعَلْتَ الِاسْمَ قِنَاعًا، انْكَشَفْتَ. وَإِذَا جَعَلْتَ الصُّحْبَةَ سُلَّمًا، انْكَشَفْتَ. وَإِذَا جَعَلْتَ ثِقَةَ النَّاسِ طَرِيقًا إِلَى مَنْفَعَتِكَ، انْكَشَفْتَ.
وَمَا أَشَدَّ سُقُوطَ مَنْ لَا يُسْقِطُهُ خَصْمُهُ، بَلْ تُسْقِطُهُ أَفْعَالُهُ.
لَا يَحْتَاجُ الْخَائِنُ إِلَى مَنْ يَفْضَحُهُ؛ تَكْفِيهِ الْأَمَانَةُ إِذَا لَمْ يَحْمِلْهَا. وَلَا يَحْتَاجُ الْمُتَكَبِّرُ إِلَى مَنْ يَكْسِرُهُ؛ يَكْفِيهِ الْحَدُّ إِذَا وُضِعَ أَمَامَهُ. وَلَا يَحْتَاجُ الْمُدَّعِي إِلَى مَنْ يُكَذِّبُهُ؛ يَكْفِيهِ الصَّمْتُ إِذَا جَاءَ وَقْتُ الْعَمَلِ.
فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَرْفَعُهُ لِسَانُهُ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ تُسْقِطُهُ خُطْوَتُهُ عِنْدَ الْحَدِّ.
وَالْمَنْصِبُ لَا يَسْتُرُ خِفَّةَ الرُّوحِ. وَاللَّقَبُ لَا يَحْمِلُ عَنْ صَاحِبِهِ سُوءَ الْأَدَبِ. وَالْكَلَامُ فِي الْمَالِ لَا يَجْعَلُ صَاحِبَهُ رَجُلًا. وَالْمَعْرِفَةُ بِالسُّوقِ لَا تُغْنِي عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَدِّ.
فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ حُدُودَ النَّاسِ، لَمْ يَعْرِفِ التِّجَارَةَ. وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ الِاسْمِ، لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ الرِّزْقِ. وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ حُرْمَةَ الْبَابِ، لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَى الدَّارِ.
إِنَّ التِّجَارَةَ بِلَا أَمَانَةٍ احْتِيَالٌ. وَالصُّحْبَةَ بِلَا وَفَاءٍ قِنَاعٌ. وَالذَّكَاءَ بِلَا أَدَبٍ سُمٌّ. وَالطُّمُوحَ بِلَا حَدٍّ افْتِرَاسٌ.
وَمِنْ أَخْطَرِ النَّاسِ مَنْ يَرَى فِي ضَعْفِ صَاحِبِهِ فُرْصَةً. لَا يَسْتُرُهُ. لَا يَحْمِلُهُ. لَا يَحْفَظُهُ. بَلْ يَقِيسُهُ. يَخْتَبِرُ مَدَى صَبْرِهِ. يَخْتَبِرُ مَدَى حَاجَتِهِ. يَخْتَبِرُ مَدَى سُكُوتِهِ. ثُمَّ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: هَذَا يُدَارُ.
وَهُنَا يَأْتِي الْقَدَرُ بِالْحَدِّ.
فَيَقُومُ مَنْ ظَنَنْتَهُ ضَعِيفًا. وَيَتَكَلَّمُ مَنْ ظَنَنْتَ سُكُوتَهُ خَوْفًا. وَيَغْلِقُ الْبَابَ مَنْ ظَنَنْتَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِفْتَاحَهُ. وَيَقُولُ لَكَ:
قِفْ. هَذَا اسْمِي. هَذَا بَابِي. هَذَا أَهْلِي. هَذِهِ ثِقَتِي. هَذِهِ أَمَانَتِي. وَهَذَا حَدِّي.
فَإِنْ رَأَيْتَ الْحَدَّ إِهَانَةً، فَاعْلَمْ أَنَّ فِي نَفْسِكَ مَا كَانَ يَعِيشُ عَلَى غِيَابِهِ.
فَالسَّالِمُ لَا يَخَافُ مِنَ الْحَدِّ. وَالْأَمِينُ لَا يَكْرَهُ الْوُضُوحَ. وَالصَّادِقُ لَا يَضِيقُ مِنَ الْبَيِّنَةِ. وَالصَّاحِبُ لَا يَسْتَثْقِلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: هَذَا حَقُّ صَاحِبِكَ.
إِنَّمَا يَضِيقُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْمَاءَ بِلَا بِئْرٍ. وَالثَّمَرَ بِلَا شَجَرٍ. وَالِاسْمَ بِلَا صَاحِبٍ. وَالْبَابَ بِلَا إِذْنٍ. وَالرِّبْحَ بِلَا وَفَاءٍ.
وَمَنْ أَرَادَ الرِّبْحَ بِلَا وَفَاءٍ، خَسِرَ الرِّبْحَ وَالْوَفَاءَ جَمِيعًا.
فَإِنَّ اللهَ قَدْ يَمْنَعُ عَنْكَ رِبْحًا لِيَكْشِفَ لَكَ رَجُلًا. وَقَدْ يُسْقِطُ صَفْقَةً لِيَحْفَظَ لَكَ اسْمَكَ. وَقَدْ يُغْلِقُ بَابًا لِيُنْقِذَ دَارَكَ. وَقَدْ يُرِيكَ حِرْصَ النَّاسِ عَلَى مَا عِنْدَكَ، لِتَعْرِفَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَدْخُلَ.
فَلَا تَحْزَنْ عَلَى بَابٍ أُغْلِقَ بَعْدَ أَنْ كَشَفَ اللهُ مَنْ وَقَفَ عِنْدَهُ. وَلَا تَحْزَنْ عَلَى صُحْبَةٍ سَقَطَتْ عِنْدَ الْمَنْفَعَةِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ صُحْبَةً، لَمَا سَقَطَتْ. وَلَا تَحْزَنْ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْمِلِ اسْمَكَ بِأَدَبٍ؛ فَإِنَّ مَنْ لَا يَحْمِلُ الِاسْمَ، لَا يَحْمِلُ الْعَهْدَ. وَلَا تَحْزَنْ عَلَى مَنْ جَعَلَ صَبْرَكَ دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى مِنْكَ إِلَّا مَا يَنْفَعُهُ.
إِذَا ظَهَرَ الْإِنْسَانُ، فَقَدِ انْتَهَى الْجِدَالُ.
لَا تُطِلِ الْخُصُومَةَ مَعَ مَنْ كَشَفَتْهُ أَفْعَالُهُ. لَا تُكْثِرِ الْبَيَانَ لِمَنْ فَهِمَ وَأَنْكَرَ. لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى مَنْ أَسْقَطَهُ صَمْتُهُ. لَا تُطَارِدْ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي فَتَحْتَهُ لَهُ.
دَعْهُ لِمَا اخْتَارَ. وَدَعْ نَفْسَكَ لِمَا عَلِمَتْ. وَدَعِ الْأَمْرَ لِمَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ.
فَاللهُ يَعْلَمُ مَنْ دَخَلَ شَاكِرًا، وَمَنْ دَخَلَ طَامِعًا. وَيَعْلَمُ مَنْ حَمَلَ الِاسْمَ أَمَانَةً، وَمَنْ لَبِسَهُ قِنَاعًا. وَيَعْلَمُ مَنْ أَرَادَ الصُّحْبَةَ، وَمَنْ أَرَادَ الطَّرِيقَ إِلَى الْمَنْفَعَةِ. وَيَعْلَمُ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ الْحَدِّ، وَمَنْ كَسَرَهُ ثُمَّ سَمَّى ذَلِكَ عَمَلًا.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ طَمَعٍ يَتَزَيَّنُ بِاسْمِ الْعَمَلِ. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ كِبْرٍ يَتَخَفَّى فِي ثَوْبِ الْمَنْصِبِ. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ صُحْبَةٍ تَسْقُطُ عِنْدَ أَوَّلِ رِبْحٍ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا فُتِحَ لَهُمْ بَابٌ، دَخَلُوا بِأَدَبٍ. وَإِذَا أُعْطُوا اسْمًا، حَمَلُوهُ بِصِدْقٍ. وَإِذَا أُدْخِلُوا فِي ثِقَةٍ، حَفِظُوهَا بِوَفَاءٍ. وَإِذَا وُضِعَ لَهُمْ حَدٌّ، وَقَفُوا عِنْدَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ.
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ كَرَمَنَا طَرِيقًا لِمَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ الْكَرَمِ. وَلَا تَجْعَلْ صَبْرَنَا جِسْرًا لِمَنْ يَظُنُّ الصَّبْرَ ضَعْفًا. وَلَا تَجْعَلْ أَسْمَاءَنَا أَقْنِعَةً لِمَنْ لَا يَحْمِلُ أَمَانَتَهَا. وَلَا تَجْعَلْ أَهْلَنَا وَأَبْوَابَنَا مَطْمَعًا لِمَنْ لَا يَعْرِفُ الْحُرْمَةَ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِنَا خَيْرًا فَافْتَحْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُصْلِحُهُ. وَمَنْ أَرَادَ بِنَا سُوءًا فَاكْفِنَاهُ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ. وَمَنْ خَانَ أَمَانَةً فَرُدَّهُ إِلَى الصِّدْقِ إِنْ كَانَ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ، وَاكْفِنَا شَرَّهُ إِنْ أَصَرَّ عَلَى مَا فِيهِ.
حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.